ملا محمد مهدي النراقي

27

جامع السعادات

بلغ عمره مائتي سنة عن الدنيا ، فقال : " سنيات بلاء ، وسنيات رخاء ، يوم فيوم ، وليلة فليلة ، يولد ولد ، ويهلك هالك ، فلولا المولود باد الخلق ، ولولا الهالك لضاقت الدنيا بمن فيها " ، فقال له الأمير : سل ما شئت قال : " أريد منك أن ترد علي ما مضى من عمري ، وتدفع عني ما حضر من أجلي " ، قال : " لا أملك ذلك ، قال : " فلا حاجة لي عليك " . والأخبار والآثار في ذم الدنيا وحبها ، وفي سرعة زوالها وعدم الاعتبار بها ، وفي هلاك من يطلبها ويرغب إليها ، وفي ضديتها للآخرة ، أكثر من أن تحصى . وما ورد في ذلك من كلام أئمتنا الراشدين ، ( لا ) سيما عن مولانا أمير المؤمنين - صلوات الله عليهم أجمعين إلى يوم الدين - فيه بلاغ لقوم زاهدين . ومن تأمل في خطب علي ( ع ) ومواعظه - كما في نهج البلاغة وغيره - يظهر له خساسة الدنيا ورذالتها . وقضية السؤال والجواب بين روح الأمين ونوح في كيفية سرعة زوال الدنيا مشهورة ، وحكاية مرور روح الله على قرية هلك أهلها من حب الدنيا معروفة ( 23 ) . ولعظم آفة الدنيا وحقارتها ومهانتها عند الله ، لم يرضها لأحد من أوليائه ، وحذرهم عن غوائلها ، فتزهدوا فيها وأكلوا منها قصدا ، وقدموا فضلا . أخذوا منها ما يكفي ، وتركوا ما يلهي . ولبسوا من الثياب ما ستر العورة ، وأكلوا من الطعام ما سد الجوع . نظروا إلى الدنيا بعين أنها فانية ، وإلى الآخرة أنها باقية ، فتزودوا منها كزاد الراكب ، فخربوا الدنيا وعمروا بها الآخرة ، ونظروا إلى الآخرة بقلوبهم فعلموا أنهم سينظرون إليها بأعينهم ، فارتحلوا إليها بقلوبهم لما علموا أنهم سيرتحلون إليها بأبدانهم . صبروا قليلا ونعموا طويلا . فصل خسائس صفات الدنيا إعلم أن للدنيا صفات خسيسة قد مثلت في كل صفة بما تماثله فيها : فمثالها في سرعة الفناء والزوال وعدم الثبات : مثل النبات الذي اختلط به ماء السماء فاخضر ، ثم أصبح هشيما تذروه الرياح ، أو كمنزل

--> ( 23 ) ذكرها ( الكافي ) عن أبي عبد الله الصادق ( ع ) في باب حب الدنيا بتمامها .